جعفر آل ياسين

15

الفارابي في حدوده ورسومه

عشوائية ؛ بل خضع لقواعد كانت العربية تجري عليها فيما تأخذه من اللغات الأخرى » « 7 » . وليس خطأ أن يذهب الباحث أو القارئ إلى الرأي الذي رأته « بنت الشاطئ » خاصة فيما يتعلق بصياغة اللغة الأدبية والعلمية المتخصّصة وحدودها . . أمّا إذا قيس الأمر إلى لغة الفلسفة ( ونحن نتعامل مع مصطلحها ورسمها في بناء مصنفنا هذا ) فليست الصورة بهذه السهولة ، بل كان للأساليب الفلسفية صياغاتها التي أعيت أصحابها وخرجت بهم إلى متاهات من الطرائق المعقدة التي تنبو على طبيعة اللغة وجمالها - وقد أوضحنا ذلك في كتابنا « المدخل إلى الفكر الفلسفي عند العرب » « 8 » بما فيه الكفاية . ولكي نلقي شيئا من الضوء على المقصد الذي نروم ؛ فقد تميّزت نظرية التعريف بالذات ، في تراثنا الفكري ، بأنّها تبنت فلسفة المعاني أكثر من اهتمامها باللفظ ، أو بتعبير آخر أنّ الحرص على ( المضمون ) ينبغي أن يفوق الحرص على ( الشكل ) عند افتقار القدرة على الصياغة البيانية في الأسلوب . وهو اتجاه في فكرنا العربي يتسم ، على أقلّ تقدير ، بواقعية علمية سادت عصر الحضارة ، خاصّة فيما نلمسه من لغة المترجمين من التراث اليوناني إلى اللسان العربي ؛ حيث غلب عليهم المضمون على الشكل ؛ فكانت أساليبهم ، كما أشرنا ، أكثر تعقيدا وغموضا من لغة الأدب والشعر « 9 » .

--> ( 7 ) انظر : د . عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) - لغتنا والحياة ، القاهرة 1971 ، ص 45 . . وقارن : السيوطي - المزهر في علوم اللغة ، تحقيق أبو الفضل إبراهيم ، القاهرة بدون تاريخ ، ص 268 - 269 . وكذلك قارن الدراسة الممتعة لأبي منصور الجواليقي الموسومة : المعرّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم ، تحقيق أحمد محمد شاكر ، القاهرة 1361 ه / 1942 م . ( 8 ) انظر : كتابنا - المدخل إلى الفكر الفلسفي عند العرب ، بيروت - الطبعة الثالثة 1983 ، ص 90 - 93 . ( 9 ) قارن : كتابنا - فيلسوف عالم : دراسة تحليلية لحياة ابن سينا وفكره الفلسفي ، بيروت 1984 ، ص 107 - 117 .